كتبت: سلمي السقا
لم تكن الأسلحة في الحروب تقتصر على المدافع والدبابات والطائرات فقط، بل تحولت الكلمات أحياناً إلى وسيلة حاسمة لحماية الخطط العسكرية. وتبرز قصة استخدام اللغة النوبية في الاتصالات العسكرية خلال حرب أكتوبر 1973 كواحدة من أهم القصص التي حافظت على سرية الأوامر ومنعت العدو من فهم مضمون التحركات المصرية.
ابتكار الشفرة النوبية لتأمين الاتصالات
جاءت فكرة استخدام اللغة النوبية لمواجهة قدرات التنصت المتقدمة التي كان يمتلكها الجانب الإسرائيلي آنذاك. ونظراً لكون اللغة النوبية لغة محكية ذات خصوصية شديدة ولا تعتمد على نظام كتابة متداول يسهل على الأجانب دراسته، فقد تم توظيف مفرداتها داخل إشارات اللاسلكي لتصبح أداة فعالة في نقل الأوامر العسكرية دون الكشف عن مضمونها.
وقد نُسبت فكرة طرح هذا الأسلوب إلى الصول أحمد محمد أحمد إدريس، الذي كان يعمل في سلاح الإشارة، حيث استغل خبرته العسكرية ومعرفته باللغة النوبية لتحويل بعض الكلمات والمصطلحات إلى دلالات عسكرية محددة يفهمها المتلقون المدربون فقط.
مصطلحات نوبية ذات دلالات عسكرية
اعتمدت الشفرة على تحويل كلمات نوبية إلى رموز عسكرية، مثل كلمة «أوسكو» التي استخدمت للدلالة على التحرك، و«أوشريا» لأمر الضرب، و«أولوم» للإشارة إلى الدبابة. كما شملت المصطلحات تسميات للمعدات مثل «اسلانجي» للعربات الحربية المجنزرة، و«زندنابي» للطائرة، مما جعل هذه الكلمات وسيلة تشفير يصعب اختراقها من قبل أي جهة لا تتقن اللغة وتعرف معانيها المتفق عليها.
دور الصول أحمد إدريس وتخليد ذكراه
لعب الصول أحمد إدريس دوراً محورياً في نقل هذه الفكرة من مجرد مقترح إلى واقع تطبيقي داخل دوائر القيادة العسكرية، حيث تم الاستعانة بأبناء النوبة الذين يجيدون اللغة ببراعة. وقد ظل هذا السر بعيداً عن التداول لسنوات طويلة، حتى ظهرت القصة للعلن بعد عقود من الحرب.
وتقديراً لدوره، جرى تكريم الصول أحمد إدريس من قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال احتفالات ذكرى نصر أكتوبر. وفي مدينة أسوان، تم تخليد اسمه عبر إطلاق اسمه على مدرسة أحمد محمد إدريس الرسمية للغات بنصر النوبة، كما توجد مطالبات من أسرته وأبناء النوبة بإقامة تمثال له في أحد ميادين أسوان تخليداً لذكراه وإسهاماته في حرب أكتوبر.



