تراث وثقافة

قراءة في مفهوم خيانة المثقفين ومآلات الاستقطاب الفكري

قراءة في مفهوم خيانة المثقفين ومآلات الاستقطاب الفكري

كتبت: فاطمة يونس

تطرح أطروحة الفيلسوف والمفكر الفرنسي جوليان بِندا، التي صاغها في كتابه «خيانة المثقفين» عام 1927، تساؤلات جوهرية حول الدور التاريخي للمثقف ومسؤوليته تجاه الحقيقة والعدالة في مواجهة الأيديولوجيات والصراعات.

مفهوم الخيانة الفكرية عند جوليان بِندا

تتمثل خيانة المثقف، حسب رؤية بِندا، في التخلي عن الوظيفة التاريخية بوصفه ضميرًا مستقلًا يقف فوق الصراعات والحزبية والأيديولوجيات. فالمثقف في التصور الكلاسيكي هو كائن يخدم قيمًا كونية مجردة مثل العقل والحقيقة، ويجب أن يحتفظ بمسافة نقدية تتيح له معارضة جماعته حين تنحرف عن مسار الصواب.

وتحدث هذه الخيانة عندما يستبدل المثقف البحث عن الحقيقة بالبحث عما يخدم مصلحة جماعته، حيث يتحول العقل من أداة للبحث إلى أداة للتبرير، مما يؤدي إلى فقدان الاستقلالية الفكرية لصالح الانتماء الأيديولوجي.

إغراء الانتماء وانهيار القيم المعرفية

لا تأتي خيانة المثقفين غالبًا نتيجة إكراه، بل بفعل الإغراء والشعور بالدفء والانتماء إلى تيار جارف. إن الانخراط في الجماعات يمنح المثقف شعورًا بالاعتراف والتأثير، بينما يتطلب الاستقلال الفكري قدرة على تحمل العزلة والنبذ.

ويؤدي هذا التحول إلى كارثة معرفية وأخلاقية، حيث يتم إعادة تعريف قيم العدالة والنزاهة لتصبح أدوات وظيفية تخدم السردية الخاصة بكل معسكر، وتصبح المعرفة مشروطة بالولاء، مما يحول المثقف من حارس للقيم إلى مدافع عن الاستبداد ومنظّر لخطابات الكراهية.

تجسد الأزمة في الواقع المعاصر

تظهر راهنية أفكار بِندا في الواقع المعاصر من خلال حالات الدفاع الأعمى عن أفراد بعينهم في النقابات المهنية، مثل ما يحدث في نقابة الصحفيين تجاه أعضاء منصة «متصدقش» المقبوض عليهم. كما تبرز الأزمة في سيطرة مجموعات معينة على الجمعيات العمومية للنقابات العريقة، مما يحولها من مؤسسات لرأي إلى ساحات للاستقطاب والولاء.

وفي ظل عصر الشبكات الاجتماعية، تضاعف ضغوط الانتماء؛ حيث يُكافأ من يكرر ما يطلبه الجمهور ويُعاقب من يمارس النقد، مما يخلق قبائل فكرية تطلب الولاء المطلق وتغيب عنها روح التساؤل والبحث المستقل.

شارك الخبر: