كتبت: فاطمة يونس
أظهرت الأبحاث العلمية الحديثة أن التدهور المعرفي المرتبط بالخرف ليس قدراً لا يمكن تجنبه مع التقدم في العمر، بل يمكن تعديل بعض عوامل الخطر المرتبطة به من خلال تبني نمط حياة صحي. وتؤكد الدراسات أن الحفاظ على صحة الدماغ يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة الصحية العامة للجسم، مما يفتح آفاقاً للوقاية عبر عادات يومية بسيطة ومستمرة.
العناية بصحة الفم والأسنان
تعد صحة الفم أحد الجوانب التي بدأت الأبحاث تسلط الضوء عليها بشكل متزايد، حيث توجد علاقة محتملة بين صحة الفم وسلامة الدماغ. وقد كشفت دراسة مدعومة من المعهد الوطني الأمريكي للشيخوخة، شملت أكثر من 6000 شخص من كبار السن، أن وجود علامات التهاب اللثة وأنواعاً معينة من بكتيريا الفم يرتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض الزهايمر وأنواع أخرى من الخرف.
ويعتقد العلماء أن الالتهاب أو انتقال البكتيريا وجزيئات الالتهاب من الفم إلى مجرى الدم قد يكون السبب وراء هذا الارتباط، حيث رصدت بعض الدراسات وجود بكتيريا مرتبطة بأمراض اللثة داخل أنسجة المخ. ورغم أن هذا الارتباط لا يعني بالضرورة أن أمراض اللثة تسبب الخرف بشكل مباشر، إلا أن الخبراء ينصحون بضرورة تنظيف الأسنان بالفرشاة مرتين يومياً واستخدام خيط الأسنان بانتظام للحفاظ على صحة الفم.
أهمية تدفق الدم والنظام الغذائي
يحتاج الدماغ إلى إمداد مستمر بالأكسجين والدم ليعمل بكفاءة، وهو ما يجعل صحة القلب والأوعية الدموية ركيزة أساسية للصحة الإدراكية. وقد برز اسم البنجر في بعض الدراسات نظراً لاحتوائه على النترات التي تتحول في الجسم إلى أكسيد النيتريك، مما يساهم في تحسين وظائف الأوعية الدموية.
ومع ذلك، يجب توخي الحذر بشأن الاعتماد على المكملات الغذائية؛ فقد أظهرت تجربة عشوائية استمرت 13 أسبوعاً على كبار السن أن عصير البنجر الغني بالنترات لم يؤدِ إلى تحسن ملحوظ في تدفق الدم إلى الدماغ أو الوظائف الإدراكية مقارنة بالدواء الوهمي. لذا، يظل إدراج البنجر ضمن نظام غذائي متوازن خياراً جيداً، لكنه ليس علاجاً سحرياً للوقاية من الخرف.
السيطرة على الكوليسترول والدهون
ترتبط العوامل الوعائية مثل ارتفاع ضغط الدم، ومرض السكري، وارتفاع مستويات الكوليسترول بزيادة احتمالات الإصابة بالخرف. وفي هذا السياق، تبرز أهمية أحماض أوميجا 3 الدهنية الموجودة في الأسماك مثل السلمون والسردين والماكريل.
وعلى الرغم من فوائد هذه الأحماض، إلا أن مراجعات التجارب العشوائية لم تجد أدلة مقنعة على أن تناول مكملات أوميجا 3 يمنع التدهور المعرفي لدى كبار السن الأصحاء. وتظل الطريقة الأمثل هي مراقبة مستويات الكوليسترول وضغط الدم وسكر الدم، ومعالجة أي اضطرابات عبر النشاط البدني والمتابعة الطبية المستمرة.
دور النوم في حماية الدماغ
يُعتبر النوم من أهم العادات اليومية التي تؤثر على صحة الدماغ على المدى الطويل. وقد أشارت دراسة وايتهول الثانية، التي تتبعت 7959 مشاركاً على مدار نحو 25 عاماً، إلى أن النوم لمدة ست ساعات أو أقل في سن الخمسين والستين يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالخرف مقارنة بمن ينامون نحو سبع ساعات.
كما وجدت الدراسة أن الأشخاص الذين يعانون من قلة النوم المستمرة خلال منتصف العمر وأواخره كانوا أكثر عرضة لخطر الإصابة بالخرف بنسبة تصل إلى 30%. ورغم أن قلة النوم قد تترافق مع حالات صحية أخرى، إلا أن النتائج تعزز أهمية جودة ومدة النوم كعنصر أساسي للحفاظ على القدرات الإدراكية.
الوقاية كعملية تراكمية
تؤكد التقديرات، ومنها ما ورد عن لجنة لانسيت لعام 2024، أن التعامل مع 14 عامل خطر قابل للتعديل يمكن أن يمنع أو يؤخر نحو 45% من حالات الخرف. إن حماية الدماغ ليست نتاج تناول مكمل غذائي واحد أو إجراء تغيير مفاجئ، بل هي نتيجة لعادات تتراكم عبر العقود، بدءاً من العناية بالأسنان وصولاً إلى ممارسة الرياضة والسيطرة على الضغط والسكر.


