كتبت: فاطمة يونس
لا تقتصر الحساسية على الأطفال فقط، بل يمكن أن تظهر بشكل مفاجئ في أي مرحلة من مراحل الحياة، بما في ذلك مرحلة البلوغ. وتشير الأبحاث العلمية إلى أن ظهور حساسية جديدة قد يعود لأسباب غير متوقعة، تتراوح ما بين لدغات القراد إلى التغيرات الهرمونية التي تطرأ على الجسم.
تأثير الفيروسات والجهاز المناعي
تؤكد روتشي غوبتا، مديرة مركز أبحاث حساسية الغذاء والربو بجامعة نورث وسترن، أن الجينات ليست العامل الوحيد، بل إن هناك محفزات خارجية تلعب دورًا حاسمًا. ومن أبرز هذه المحفزات الإصابة بفيروس كوفيد-19، حيث كشفت دراسة عام 2026 وجود ارتباط وثيق بين الإصابة بالفيروس وارتفاع مخاطر الإصابة بالتهاب الأنف التحسسي والربو.
ووفقًا لفيليب كيرمان، طبيب الأمراض الجلدية من معهد كارولينسكا، فإن الإصابة بالفيروس قد تسبب خروج الجهاز المناعي عن السيطرة، مما يؤدي إلى مستويات مفرطة من الالتهاب. ويرى الخبراء أن ظهور الحساسية بعد الإصابة بالفيروسات قد يكون بمثابة نوع من الضرر الثانوي؛ فعندما يواجه الجسم مادة غذائية أو مادة بيئية مسببة للحساسية وهو في حالة إجهاد شديد لمحاربة فيروس ما، فقد يقرر الجهاز المناعي مهاجمة كل ما هو غريب للتخلص منه.
المضادات الحيوية واختلال الميكروبيوم
لا تتوقف الأسباب عند الفيروسات، بل تمتد لتشمل استخدام المضادات الحيوية. وتوضح روتشي غوبتا أن المضادات الحيوية قد تسبب اختلالًا في التوازن الدقيق لمستعمرات البكتيريا في الأمعاء، المعروف باسم الميكروبيوم. هذا الخلل يؤدي إلى حالة من الارتباك في الجهاز المناعي، مما يجعله يتعامل مع مواد غير ضارة على أنها تهديدات يجب القضاء عليها.
الحمل والتغيرات الهرمونية
تلعب الهرمونات دورًا محوريًا في استجابة الجسم المناعية. وتوضح المتخصصة كولاس من جامعة واشنطن أن فترة الحمل قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في الجهاز المناعي، حيث تلاحظ نحو ثلث النساء اللواتي يعانين من حساسية بيئية زيادة في الأعراض بعد الحمل. وتعرف هذه الحالة بـ "التهاب الأنف الحملي»، وهي حالة تشبه الحساسية وتنتج عن التقلبات الهرمونية، مثل مستويات الإستروجين والبروجسترون، وتظهر في شكل عطس واحتقان في الأنف.
متلازمة ألفا-غال ولديغات القراد
من الحالات الغريبة التي تم اكتشافها هي متلازمة "ألفا-gal"، والتي ترتبط بلديغات نوع معين من القراد. وقد ساهم البروفيسور توماس بلاتس-ميلز من جامعة فرجينيا في فهم هذا المرض بعد تجربته الشخصية مع الحساسية المفاجئة تجاه اللحوم الحمراء بعد تعرضه للدغات القراد. وتنتج هذه الحساسية عندما يتعرف الجهاز المناعي على جزيء سكر يسمى "ألفا-gal"، والذي ينقله القراد عبر لعابه، مما يسبب ردود فعل تحسسية عند تناول لحوم الثدييات.
آفاق العلاج والبحث العلمي
على الرغم من عدم وجود طريقة مؤكدة لعكس الحساسية الجديدة تمامًا، إلا أن هناك تقدمًا طبيًا ملحوظًا. يقترح الخبراء دعم صحة الأمعاء عبر البروبيوتيك والأطعمة المتخمرة لتعويض تأثير المضادات الحيوية. كما تبرز أدوية مثل "Xolair" كخيار فعال للسيطرة على التفاعلات المناعية العنيفة، بينما يواصل الباحثون دراسة تقنيات جديدة مثل اللقاحات التي تهدف إلى إعادة تدريب الجهاز المناعي للتعامل مع مسببات الحساسية بشكل أكثر هدوءًا.


