كتبت: فاطمة يونس
يسود اعتقاد شائع بأن الحساسية هي حالة مرتبطة بفترة الطفولة أو عوامل وراثية محددة يولد بها الإنسان، إلا أن الأبحاث الطبية الحديثة بدأت تكشف عن حقائق مغايرة تماماً. يؤكد متخصصون في أمراض المناعة أن الإصابة بالحساسية يمكن أن تحدث في أي مرحلة من مراحل العمر، حتى بعد الوصول إلى سن البلوغ بفترة طويلة، نتيجة عوامل بيئية وصحية غير متوقعة قد تعمل كمحفزات لتفعيل استجابات مناعية جديدة.
فيروس كورونا كـ "مفتاح" للحساسية
أشارت الدراسات إلى أن الإصابة بفيروس كورونا (COVID-19) قد تلعب دوراً محورياً في ظهور أنواع جديدة من الحساسية. وتوضح الأبحاث أن العدوى بالفيروس قد تترك أثراً في الجهاز المناعي، مما يؤدي إلى زيادة ملحوظة في مخاطر الإصابة بالربو والتهاب الأنف التحسسي. ويرى الخبراء أن الفيروس قد يتسبب في استجابة مناعية مفرطة تؤدي إلى حدوث التهابات واسعة، مما يجعل الجسم يتعامل مع مواد غير ضارة كأنها تهديدات يجب محاربتها.
تأثير المضادات الحيوية وتوازن الأمعاء
لا تقتصر الأسباب على الفيروسات فقط، بل تمتد لتشمل الأدوية المستخدمة في علاج الأمراض الشائعة. فقد وُجد أن استخدام المضادات الحيوية قد يرتبط بزيادة خطر الإصابة بالحساسية لاحقاً. ويعود ذلك إلى قدرة هذه الأدوية على إحداث خلل في التوازن الدقيق للميكروبيوم أو البكتيريا النافعة داخل الأمعاء، وهو نظام يلعب دوراً حيوياً في تنظيم وظائف الجهاز المناعي. هذا الخلل قد يؤدي إلى حالة من "الارتباك المناعي"، حيث يبدأ الجسم في تصنيف المواد البيئية العادية كأجسام غريبة تستوجب الهجوم.
التغيرات الهرمونية والحمل
تلعب الهرمونات دوراً كبيراً في استقرار أو اضطراب المناعة. فخلال فترة الحمل، يمر جسم المرأة بتغيرات هرمونية واسعة قد تؤدي إلى تفاقم أعراض الحساسية الموجودة مسبقاً لدى ثلث النساء الحوامل تقريباً. كما تظهر حالة تسمى "التهاب الأنف الحملي"، وهي أعراض تشبه الحساسية تظهر لدى نساء لم يعانين منها سابقاً، وغالباً ما تختفي هذه الأعراض بعد الولادة نتيجة استقرار المستويات الهرمونية. وبالمثل، قد تظهر حساسيات جديدة لدى النساء عند الدخول في مرحلة انقطاع الطمث نتيجة التقلبات الهرمونية الحادة.
علاقة لدغات القراد بالحساسية من اللحوم الحمراء
من المثير للدهشة أن لدغات بعض الكائنات، مثل "القراد ذو النجمة الواحدة"، قد تؤدي إلى نوع نادر من الحساسية يُعرف بمتلازمة "ألفا-غال" (α-Gal syndrome). تسبب هذه اللدغات استجابة مناعية تجاه سكر موجود في الثدييات، مما يجعل الشخص يعاني من حساسية مفاجئة تجاه اللحوم الحمراء مثل لحم البقر والخنزير والغنم. وتزداد حالات الإصابة بهذا النوع مع التغيرات المناخية التي ساعدت هذا النوع من القراد على الانتشار في مناطق جديدة.
آفاق العلاج والوقاية
بينما قد تكون بعض حالات الحساسية المفاجئة دائمة، إلا أن العلم يتقدم نحو حلول واعدة. تشير الأبحاث إلى أن الحفاظ على صحة الأمعاء عبر تناول الأطعمة المخمرة والبروبيوتيك قد يساعد في تقليل المخاطر المرتبطة بالمضادات الحيوية. كما تبرز تقنيات حديثة مثل اللقاحات المخصصة للحساسية والعلاجات التي تستهدف تدريب الجهاز المناعي على الاستجابة بهدوء للمثيرات، مما يفتح باب الأمل للمصابين بتجنب ردود الفعل المناعية الخطيرة.


