مقالات وتحقيقات

وهم النقاء الهوياتي وتأثيره على المجتمعات المركبة

وهم النقاء الهوياتي وتأثيره على المجتمعات المركبة

تطرح فكرة النقاء المطلق، سواء كان عرقياً أو دينياً أو لغوياً، تحديات جسيمة أمام استقرار المجتمعات المركبة. ورغم أن التاريخ البشري لم يشهد جماعة بقيت على حالها دون هجرات أو مصاهرات، إلا أن أيديولوجيا النقاء تبرز كأداة إقصائية تهدد مفهوم الدولة الوطنية وتقوض أسس العيش المشترك.

الجذور الفكرية لوهم النقاء

يعود مفهوم النقاء الهوياتي إلى الرومانسية القومية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والتي رسخت تصورات قائمة على الدم والتربة. وقد تطور هذا التصور لاحقاً عبر علوم أعراق زائفة، وصولاً إلى التطبيقات النازية التي حولت نظرية النقاء الدموي إلى آلة قتل منظمة. كما تشير الدراسات التاريخية إلى أن الكثير مما يُصنف كتقاليد عريقة هو في الواقع تقاليد مخترعة صِيغت لخدمة أغراض سياسية، وأن الأمم هي جماعات متخيلة تُبنى عبر السرديات لا عبر المعطيات البيولوجية الثابتة.

النقاء الديني وآليات الإقصاء

لا يقتصر هذا الوهم على الجانب العرقي، بل يمتد إلى الجانب الديني من خلال فكرة الأتباع الأصفياء والبحث عن عصر ذهبي متخيل خالٍ من الخلافات. وتستخدم الحركات الأصولية مفاهيم مثل الولاء والبراء لتحويل الاختلاف المذهبي إلى معيار للتكفير والإقصاء، مما يحول المواطنين إلى خصوم عقائديين. وتلتقي الأصولية الدينية مع الشوفينية القومية في بنية ذهنية واحدة تعتمد على الثنائية الحادة والخوف من المختلف.

الدوافع النفسية والآليات الاجتماعية

تتغذى خطابات النقاء على القلق الناتج عن التحولات السريعة أو الأزمات الاقتصادية والسياسية، حيث توفر هذه الخطابات يقيناً بسيطاً يختزل التعقيدات في مؤامرات خارجية. وتعمل آلية كبش الفداء على تحميل الأقليات وزر الإخفاقات العامة لصرف الأنظار عن الفشل السياسي. كما تظهر النزعة الإقصائية في لغة التطهير والتنظيف التي تُجرد الإنسان من إنسانيته، مما سهل ارتكاب مجازر تاريخية في مناطق مثل رواندا والبلقان.

تحديات المواطنة في المجتمعات المتنوعة

في المجتمعات المركبة، مثل المشرق العربي، يؤدي استبدال مبدأ المساواة أمام القانون بمبدأ الأصل والعقيدة إلى تفكك النسيج الاجتماعي. إن محاولات فرض هوية أحادية تؤدي إلى هجرة الكفاءات وتفريغ البلاد من تنوعها، مما يضعف المؤسسات والاقتصاد. وتؤكد البيانات الجينية أن الشعوب هي نتاج طبقات من الهجرات والاختلاط، وأن الهويات الصافية ليست سوى أسطورة لا تمت للواقع بصلة.

سبل مواجهة الإقصاء وتحقيق التعايش

تتطلب مواجهة وهم النقاء بناء بدائل مؤسسية وفكرية، تشمل مناهج تعليمية تعرض التاريخ بتعدده، وقوانين تكفل المساواة وتجرم التحريض. كما يستلزم الأمر إعلاماً يكشف آليات التعبئة ونخباً ثقافية قادرة على نقد الخطابات الإقصائية. إن الحل يكمن في ترسيخ المواطنة المتساوية التي تجعل الانتماء للدولة والقانون هو الأساس، مما يضمن حماية الوطن من مخاطر التفتت والخراب.

شارك الخبر: