تواجه المجتمعات العربية مفارقة لافتة، حيث تعد من أكثر المناطق تنوعاً في الأديان والمذاهب والأعراق، إلا أنها تفتقر إلى القدرة على تحويل هذا التنوع إلى طاقة حياة إيجابية. وقد تحول التعدد الذي صنع حضارات منفتحة تاريخياً إلى مصدر للريبة والخوف، حيث يُنظر إلى الرأي المغاير كعداء يتطلب الإسكات بدلاً من كونه شريكاً في الحوار.
أزمة غياب فن الاختلاف
تتمثل الأزمة الحقيقية في غياب منظومة الأعراف والمهارات العقلية والأخلاقية التي تسمح بالاختلاف دون نزاع. هذا الغياب ليس قدراً ثقافياً، بل هو نتاج تاريخ من التنشئة والسياسات التي جعلت من اليقين فضيلة ومن الشك خيانة، مما جعل الجماعة مرجعية تصادر حق الفرد في التفكير المستقل.
الجذور الفكرية والنزعات الإقصائية
ساهمت التصورات الذهنية التي ترى الحقيقة كياناً واحداً مغلقاً في تعميق الأزمة. وقد التقت في ذلك أيديولوجيات متباينة، من منطق الفرقة الناجية في التراث الكلامي، إلى منطق الحزب القائد والطليعة الواعية في الفكر القومي واليساري، حيث يشترك الجميع في فكرة الامتلاك الحصري للصواب. والتعصب ليس عقيدة ثابتة، بل نزعة تصيب كل من يتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة.
التداعيات النفسية والاجتماعية
على المستوى النفسي، يرى العقل الجمعي في الاختلاف تهديداً للذات، خاصة عندما تتماهى الفكرة مع الهوية الشخصية، فيصبح نقد الرأي إهانة للكرامة. وتساهم ظواهر مثل التحيز التأكيدي واستقطاب الجماعات وغرف الصدى الرقمية في تعميق هذا المأزق، مما يخلق اقتصاداً نفسياً للعداء يمنح الأفراد شعوراً زائفاً بالانتماء والبطولة.
دور الدولة والمؤسسات في القطيعة
تؤدي البنى السياسية والاجتماعية دوراً في تحويل الميول النفسية إلى قطيعة واقعية. فالدول السلطوية التي تضيق الفضاء العام تدفع الاختلاف للانكفاء داخل الهويات الأولية كالعشيرة والطائفة. كما أن تجارب المحاصصة السياسية حولت التنوع من واقع اجتماعي إلى حصص سياسية، مما جعل الدولة ساحة لتقاسم الغنائم بدلاً من كونها إطاراً للمواطنة.
سبل استعادة التسامح والتعايش
يتطلب تجاوز هذه الأزمة مهارات تُكتسب عبر التعليم والممارسة المؤسسية. تبدأ العملية من المدارس التي تغرس فضيلة السؤال، وتمر بخطاب ديني يعيد الاعتبار لأدب الجدل المنفتح، وإعلام يبتعد عن الصراخ، وقوانين تحمي حرية التعبير. إن بناء دولة المواطنة التي تعامل الجميع كأفراد متساوين هو السبيل الوحيد لتحويل التنوع إلى ثراء يحميه القانون بدلاً من أن يكون سبباً للقطيعة.



