كتبت: سلمي السقا
يشهد قطاع التأمين البارامتري تحولاً جذرياً متسارعاً مدفوعاً بالتوسع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. ولم تعد هذه التكنولوجيا مجرد أداة لدعم العمليات التشغيلية داخل شركات التأمين، بل تحولت إلى عنصر جوهري في تصميم المنتجات التأمينية، وتقييم المخاطر، وتطوير نماذج التعويض المبتكرة.
وتستند أهمية الذكاء الاصطناعي في هذا النوع من التأمين إلى طبيعته التي ترتكز أساساً على البيانات والمؤشرات القابلة للقياس. إذ تساهم دقة البيانات المتزايدة في تطوير مؤشرات أكثر كفاءة وقدرة على التعبير عن طبيعة الخطر المؤمن عليه، مما يدفع شركات التأمين وإعادة التأمين للاعتماد على البيانات الفورية والمؤشرات الذكية لإدارة المخاطر، لاسيما المناخية والطبيعية منها.
توقعات بنمو ضخم للسوق العالمية
تشير التقديرات السوقية الواردة في نشرة اتحاد شركات التأمين المصرية إلى نمو ملحوظ في حجم سوق التأمين البارامتري العالمي، حيث من المتوقع أن يصل إلى نحو 23.85 مليار دولار خلال عام 2026. ومن المنتظر أن يحافظ السوق على معدل نمو سنوي مركب يتجاوز 12.8% خلال السنوات القادمة، ليصل حجم السوق إلى حوالي 38.68 مليار دولار بحلول عام 2030.
ويعكس هذا النمو المتزايد اتساع نطاق استخدام المنتجات البارامترية في قطاعات حيوية متنوعة، تشمل الزراعة، والطاقة المتجددة، وسلاسل الإمداد، بالإضافة إلى قطاع البنية التحتية، حيث تساهم تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل أنماط المخاطر وكشف العلاقات المعقدة بين المتغيرات المختلفة.
تطوير نماذج التنبؤ بالمخاطر المناخية
يعد تطوير نماذج التنبؤ بالمخاطر أحد أبرز المجالات التي أحدث فيها الذكاء الاصطناعي تحولاً عميقاً، خاصة مع تعقد المخاطر المناخية وزيادة وتيرة الأحداث الطبيعية المتطرفة. وتعتمد النماذج الحديثة على دمج مصادر بيانات متعددة، مثل السجلات المناخية التاريخية، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات الاستشعار عن بُعد، ومحطات الرصد الجوي، والبيانات الجغرافية والبيئية.
ومن خلال تقنيات التعلم الآلي والتعلم العميق، تستطيع هذه النماذج تحليل كميات ضخمة من البيانات لتحديد الأنماط والتغيرات غير الاعتيادية التي تشير إلى احتمالات وقوع أحداث مثل الفيضانات، والجفاف، والعواصف الشديدة. ويبرز دور هذه التطبيقات بوضوح في قطاع الزراعة عبر تحليل الرطوبة ودرجات الحرارة، وفي قطاع الطاقة المتجددة عبر التنبؤ بمستويات الإشعاع الشمسي وسرعات الرياح.
ابتكار مؤشرات دقيقة ونماذج رقمية
انتقل تصميم المؤشرات البارامترية من المؤشرات التقليدية أحادية المتغير إلى المؤشرات المركبة التي تجمع عدة متغيرات في نموذج واحد، مثل دمج بيانات الأمطار مع شدة الرياح ورطوبة التربة لرفع دقة قياس الخطر. كما يتجه القطاع نحو استخدام المؤشرات التكيفية التي تعتمد على المتغيرات البيئية الحديثة بدلاً من الحدود الثابتة.
بالإضافة إلى ذلك، ظهرت النماذج الرقمية التوأمية كأداة متطورة لتصميم واختبار المؤشرات البارامترية، حيث يتم إنشاء نموذج رقمي يحاكي المشروع المؤمن عليه لاختبار تأثير السيناريوهات المختلفة قبل تحديد التغطية المناسبة. كما يعمل الذكاء الاصطناعي على مراقبة خطر عدم تطابق التعويض مع الخسارة الفعلية، المعروف بـ Basis Risk، من خلال مقارنة التعويضات بالخسائر المسجلة فعلياً.
الأتمتة والبيانات اللحظية في تسوية المطالبات
يمتد تأثير الذكاء الاصطناعي ليشمل مرحلة تسوية المطالبات وصرف التعويضات عبر نماذج تعتمد على الأتمتة الكاملة أو شبه الكاملة، وهو ما يعرف بمفهوم Straight-Through Processing. حيث يتم التعامل مع المطالبة من لحظة استقبال البيانات وحتى إصدار قرار التعويض بشكل آلي، مع إمكانية ربط هذه المنتجات بمنصات الدفع الرقمية لتحويل الأموال فور تحقق الحدث المؤمن عليه.
ويتعزز هذا التوجه بدمج الذكاء الاصطناعي مع بيانات الأقمار الصناعية وأجهزة إنترنت الأشياء، مما يوفر تدفقاً مستمراً للبيانات حول درجات الحرارة، ومستويات المياه، والاهتزازات التشغيلية. ورغم هذه الفرص، تواجه الصناعة تحديات تتعلق بجودة البيانات، وشفافية النماذج، ومخاطر التحيز الخوارزمي، مما يستلزم تطوير أطر حوكمة متقدمة لضمان الرقابة والشفافية.



