كتبت: سلمي السقا
شكلت حرب أكتوبر لحظة تاريخية نادرة التقت فيها إرادات العواصم العربية على هدف واحد، متجاوزة سنوات من الانقسام والمرارة التي تلت هزيمة عام 1967. ولم تكن المواجهة مجرد تحرك لجيشين مصري وسوري، بل كانت تجسيدًا لأوسع تضامن عربي في التاريخ الحديث، حيث اجتمع السلاح والنفط والخطط العسكرية في معركة واحدة.
الأسس السياسية والتمهيد للعمل العسكري
وضعت قمة الخرطوم حجر الأساس لهذا التضامن عبر إقرار اللاءات الثلاث وتعهد دول مثل السعودية والكويت وليبيا بتقديم دعم مالي سنوي لدول المواجهة. ومع تولي أنور السادات الحكم عام 1970، نشطت الجهود لترميم العلاقات العربية، مما أدى إلى إعلان اتحاد الجمهوريات العربية بين مصر وسوريا وليبيا عام 1971، وصولًا إلى قمة القاهرة في سبتمبر 1973 التي أعادت العلاقات السورية الأردنية.
التنسيق العسكري وساعة الصفر
اتسم التنسيق بين القاهرة ودمشق بالدقة العسكرية العالية، حيث أُنشئت قيادة عسكرية مشتركة ضمت قادة بارزين مثل الفريق أول أحمد إسماعيل والفريق سعد الدين الشاذلي من الجانب المصري، ومصطفى طلاس واللواء يوسف شكور من الجانب السوري. ورغم الخلافات حول ساعة الصفر بين الفجر والغروب، استقر القرار على الثانية بعد الظهر في السادس من أكتوبر، لتبدأ الهجمات المتزامنة التي شملت عبور القناة وتحطيم خط بارليف في مصر، واقتحام الجولان في سوريا.
المشاركة العربية الواسعة في الميدان
لم يقتصر الدعم على التنسيق السياسي، بل تدفقت قوات عربية متنوعة إلى ساحات القتال، شملت فرقة مدرعة عراقية، وألوية من الأردن والمغرب والسعودية، بالإضافة إلى قوات وجسر جوي من الجزائر وليبيا والكويت والسودان وتونس. هذا الحشد العسكري عزز من قدرة الجيشين على الصمود وأكد أن المعركة هي معركة أمة بأكملها.
سلاح النفط والزلزال الاقتصادي العالمي
برز الميدان الثالث للحرب بعيدًا عن الجبهات العسكرية، حيث استخدمت دول الخليج النفط كأداة ضغط استراتيجية. وفي 16 أكتوبر، رفعت الدول المنتجة أسعار النفط، وتبع ذلك قرار وزراء النفط العرب في الكويت بخفض الإنتاج بنسبة 5% شهريًا. كما أعلنت السعودية وقيادة أبوظبيا بقيادة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وقف تصدير النفط إلى الولايات المتحدة ودول أخرى، مما أحدث زلزالًا اقتصاديًا عالميًا أدى لتضاعف الأسعار أربع مرات، وأجبر القوى الغربية على إعادة حساباتها تجاه القضية العربية.


