مقالات وتحقيقات

الخداع الاستراتيجي في حرب أكتوبر 1973

الخداع الاستراتيجي في حرب أكتوبر 1973

شكل الخداع الاستراتيجي ركيزة أساسية في نجاح عملية العبور خلال حرب أكتوبر 1973، حيث اعتمدت القيادة المصرية خطة محكمة لإيهام الجانب الإسرائيلي بعدم وجود نية لشن حرب وشيكة، مما سمح بتحقيق مباغتة عسكرية غير مسبوقة.

استغلال المفهوم الأمني الإسرائيلي

استثمرت القيادة المصرية، التي ضمت الرئيس أنور السادات ووزير الحربية الفريق أول أحمد إسماعيل علي ورئيس الأركان الفريق سعد الدين الشاذلي، التصورات الأمنية الراسخة لدى الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية. وقد اعتمدت إسرائيل على مفهوم مفاده أن مصر لن تشن حرباً إلا بعد امتلاك طائرات قاذفة بعيدة المدى، وهو ما ساعد في تعزيز القناعة لدى إسرائيل بأن الوضع مستقر.

كما تم استخدام سياسة الإنذارات الكاذبة خلال عام 1973، حيث جرت تعبئة إسرائيلية جزئية مرتين، مما أدى إلى حالة من الإنهاك لدى صانع القرار الإسرائيلي وجعله يتردد في تحريك التعبئة الكاملة عند حلول اللحظة الحقيقية.

مناورات التحرير والتمويه الميداني

تحولت التحركات العسكرية الحقيقية إلى روتين مألوف من خلال تنفيذ مناورات "التحرير 23" في مطلع أكتوبر، والتي صنفتها إسرائيل كتدريبات سنوية معتادة. وحرص المخططون على إبقاء الأوامر العسكرية في أضيق نطاق ممكن، حيث لم يُبلغ الجنود بموعد الهجوم إلا قبل ساعات قليلة من بدئه.

وشملت إجراءات التمويه إظهار مظاهر الحياة العادية على الجبهة، مثل السماح للجنود بالسباحة في القناة وتناول الطعام، بالإضافة إلى الإعلان عن فتح باب العمرة لضباط وجنود الجيش، بهدف إرسال انطباع بأن القيادة لا تستعد لقتال وشيك.

التنسيق السياسي والدبلوماسي

امتد الخداع ليشمل الجبهتين السياسية والإعلامية، حيث استخدم الرئيس السادات خطاب "عام الحسم" بشكل متكرر وتأجيله لعدة مرات لإيهام العالم بالتردد. وبالتنسيق مع سوريا، تم اختيار توقيت الهجوم في السادس من أكتوبر، الذي وافق عيد الغفران اليهودي "يوم كيبور"، مما تسبب في شلل تام في الجانب الإسرائيلي، كما تم اختيار الساعة الثانية ظهراً بناءً على دراسة دقيقة لزوايا الشمس وحركة المد والجزر.

وعلى الرغم من وصول إشارات استخباراتية قبل الحرب، مثل إخلاء عائلات المستشارين السوفييت، إلا أن الاعتماد على التصورات المسبقة حال دون اتخاذ قرار إسرائيلي سريع بالتعبئة، لتنطلق في النهاية عمليات العبور وتنهار أسطورة خط بارليف أمام الإرادة المصرية.

شارك الخبر: