مقالات وتحقيقات

الجسد كمعركة هوياتية: تحليل للخطاب السلفي حول المرأة والضبط الجنسي

الجسد كمعركة هوياتية: تحليل للخطاب السلفي حول المرأة والضبط الجنسي

تُشكل السجالات الاجتماعية والقانونية حول قضايا الأسرة وسن الزواج نقطة اشتباك محورية بين الرؤى الحقوقية الحديثة والخطابات الأصولية المحافظة، حيث تسعى الأخيرة لإعادة صياغة الأطر التشريعية وفق رؤى هوياتية محددة. ويبرز تناول الداعية هيثم طلعت لمسألة تحديد سن الزواج بـ 18 عامًا في التشريع المصري كنموذج لهذا الخطاب، حيث يتم استدعاء النماذج الغربية في سياق انتقائي يستهدف تحشيد الشارع والمشرعين ضد القوانين المدنية الحامية للطفولة والأهلية القانونية.

تضارب منطقي ومغالطات مفاهيمية

يكشف التحليل عن بنية استدلالية تعتمد على الخلط بين مفهومين قانونيين مختلفين تمامًا؛ وهما "سن الرضا عن الاتصال الجنسي" و"الأهلية القانونية للزواج". فبينما يحدد سن الرضا الحد الأدنى لرفع التجريم الجنائي عن الممارسة الاختيارية، يتعلق سن الزواج بإبرام عقد مدني واجتماعي يتطلب نضجًا قانونيًا واجتماعيًا وأهلية مدنية كاملة لا تتوفر للمراهقين.

كما يظهر تناقض في المرجعيات، حيث يتم الاستدلال بالأنظمة الغربية كمعيار للصواب، وفي الوقت ذاته يتم وصم كل من يدعو للحفاظ على السن القانوني الحالي بـ "التغريب" و"النسوية"، مما يمثل ازدواجية معيارية في استخدام النموذج الغربي كحجة تارة وكتهمة تارة أخرى.

الضبط الجنسي واختزال مفهوم الأسرة

يعتمد الخطاب المحافظ على خطاب عاطفي يدعي الحرص على العفة والسكينة المجتمعية للترويج لخفض سن الزواج، إلا أنه يختزل مؤسسة الأسرة في مجرد قناة لتفريغ الشحنات الجنسية. هذا الطرح يتجاهل المعطيات الطبية والاجتماعية التي تؤكد الآثار الكارثية للزواج المبكر، بما في ذلك مخاطر الحمل والولادة على القاصرات، والتسرب من التعليم، وارتفاع معدلات الطلاق نتيجة غياب النضج الانفعالي.

أبعاد السيطرة الرمزية والهوية

يمثل التركيز المكثف على قضايا المرأة والجسد في الخطاب السلفي استراتيجية تهدف إلى ممارسة الفاعلية والتأثير في الفضاء العام عبر ملفات يسهل تحشيد الرأي العام حولها. وتتحول المرأة في هذا السياق إلى رمز ثقافي وأخلاقي يُستخدم لإثبات التمايز الحضاري في مواجهة التحديث، حيث يُفسر أي تعديل في وضعها القانوني كاختراق للهوية.

ويعتمد هذا التوجه على تقسيم المجتمع إلى فسطاطين: حماة الدين والعفة في مواجهة دعاة التغريب، مما يلغي النقاش الموضوعي ويستبدله بشحن عاطفي يهدف إلى تعزيز الولاء التنظيمي دون تقديم حلول عملية للأزمات الهيكلية أو التنموية في المجتمع.

شارك الخبر: