كتب: كريم همام
تواجه الثلوج التي تغطي قمم جبال بابوا الإندونيسية خطر الاختفاء الكامل، في تطور يعكس تسارع آثار الاحتباس الحراري. ويهدد هذا التراجع سجلاً طبيعياً نادراً يوثق تاريخ مناخ الأرض، بالإضافة إلى مواقع تحمل أهمية روحية وثقافية عميقة للسكان الأصليين في المنطقة.
تراجع تاريخي في الغطاء الجليدي
بعد أن كانت الأنهار الجليدية تغطي القمم الرئيسية لسلسلة جبال سوديرمان، لم يتبقَّ اليوم سوى بقع صغيرة من الجليد حول قمة بونتشاك جايا، المعروفة باسم هرم كارستنز. وتشير التوقعات إلى احتمال اختفاء ما تبقى منها بالكامل خلال عام أو عامين.
وقد تقلصت مساحة الغطاء الجليدي المحيط بالقمة من نحو 1900 هكتار في القرن التاسع عشر إلى حوالي 16 هكتاراً في الوقت الحالي. كما انحسرت الأنهار الجليدية بنسبة تقارب 95% بين أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين وعام 2025.
أهمية علمية تتلاشى
تمثل هذه الكتل الجليدية آخر الجليد الاستوائي الموجود بين جبال الأنديز وسلسلة جبال الهيمالايا، وتوفر للعلماء سجلاً مناخياً استثنائياً. وتُعد العينات الجليدية المستخرجة من منحدرات بونتشاك جايا مصدراً لمعلومات عن الظروف الجوية التي شهدتها المنطقة عبر الزمن، مما يساعد في فهم التغيرات في المحيط الهادئ الاستوائي.
وتتميز هذه الثلوج بكونها منفصلة عن الأنظمة الجليدية الأخرى بآلاف الكيلومترات، مما يمنحها قيمة علمية خاصة، إلا أن هذا الأرشيف الطبيعي يتلاشى قبل إتمام دراسته بشكل كامل.
تأثير الاحتباس الحراري والنشاط البشري
يرتبط تراجع الجليد بالارتفاع طويل الأمد في درجات حرارة الأرض الناتج عن النشاط البشري وحرق الوقود الأحفوري مثل الفحم والنفط والغاز. ومع ارتفاع الحرارة، يرتفع مستوى التجمد إلى ارتفاعات أكبر، مما يحول الهطولات الثلجية إلى أمطار، ويقلص قدرة الأنهار الجليدية على البقاء في المناطق الاستوائية.
كما تساهم ظاهرة النينيو وعوامل محلية مثل كثافة السحب والتضاريس الجبلية في تسريع هذه العملية. وتقع قمم بابوا على بعد نحو 450 كيلومتراً جنوب خط الاستواء، حيث يتطلب بقاء الجليد ظروفاً مناخية محدودة للغاية.
خسائر ثقافية وروحية للسكان الأصليين
يمس ذوبان الجليد الإرث الروحي لمجموعات من السكان الأصليين المرتبطين بقمة بونتشاك جايا. فبينما يطلق شعب موني على الجبل اسم مباينجيلا معتقداً أن أسلافه يحرسونه، يعرفه شعب أمونجمي باسم نيمانجكاوي أو السهم الأبيض، الذي يرمز للصدق والنقاء والاستقامة الأخلاقية.
تحديات التعدين والتنمية
شهدت المنطقة تحولات واسعة عقب اكتشاف رواسب النحاس والذهب، مما أدى لتوسع مشاريع التعدين والبنية التحتية. ورغم ما وفره ذلك من فرص اقتصادية وتعليمية، إلا أنه ارتبط بتدهور بيئي وتوترات اجتماعية، وفقدان بعض السكان للوصول إلى أراضي أجدادهم، مما يهدد الهوية والمعتقدات المرتبطة بالمشهد الطبيعي.



