كتبت: سلمي السقا
يعد مسجد العمرى العتيق بمدينة إسنا جنوب محافظة الأقصر أحد أبرز الشواهد التاريخية على تلاحم الحضارات في مصر، حيث تتمازج فيه عبق الحضارة المصرية القديمة مع عراقة العمارة الإسلامية، ليقف المسجد شاهداً على قرون متعاقبة من التاريخ في صعيد مصر.
تاريخ التأسيس والعمارة الفاطمية
ترجع المصادر الأثرية تأسيس المسجد إلى العصر الفاطمي في عهد الخليفة المستنصر بالله، حيث تشير النصوص التأسيسية إلى أن أعمال عمارة الجامع بدأت في النصف من ذي الحجة سنة 469هـ، واكتمل بناء سقفه في النصف من ربيع الأول سنة 470هـ.
ويتميز المسجد بمئذنته التاريخية التي تُعد من أقدم أجزاء المسجد الباقية، وقد أُنشئت عام 474هـ بأمر من أمير الجيوش سيف الإسلام ناصر الدولة بدر الجمالي، لتصبح واحدة من أقدم المآذن المؤرخة في مصر، ومثالاً حياً على ازدهار العمارة الفاطمية في المنطقة.
أزهر الصعيد ومنارة العلم
لم تقتصر قيمة المسجد على الجانب العمراني فحسب، بل لعب دوراً علمياً ودينياً محورياً، حيث ارتبط بتعليم القرآن الكريم والعلوم الدينية، مما أكسبه لقب "أزهر الصعيد" نظراً لمكانته العلمية الكبيرة في مدينة إسنا، وضخامة بنائه الذي يحتوي على أعمدة جرانيتية ضخمة.
ويحتل المسجد موقعاً فريداً في قلب مدينة إسنا بالقرب من نهر النيل ومعبد الإله خنوم، مما يخلق مشهداً يجسد خصوصية المنطقة وتجاور الحضارات المختلفة.
تفاصيل المئذنة وأعمال الترميم
تصل المئذنة إلى ارتفاع إجمالي يقارب 25 متراً، وتتكون من بدن سفلي مربع بارتفاع 5.10 متر، يعلوه طابق أسطواني بارتفاع 8 أمتار، ثم شرفة خشبية، وينتهي بطابق مثمن بارتفاع متر ونصف متر يتميز بأضلاعه المقعرة.
وقد خضعت المئذنة لبرامج ترميمية شاملة للحفاظ على سلامتها الإنشائية، تضمنت استخدام الخوازيق لنقل الأحمال وحقن التربة المحيطة بالأساسات بالمواد الأسمنتية المعالجة كيميائياً لسد الفجوات، وذلك لضمان استمرار صمود هذا المعلم التاريخي.
.jpg)


