كتبت: بسنت السقا
تزخر محافظة البحر الأحمر بكنوز تاريخية وأثرية تعكس تعاقب الحضارات العريقة على أرضها، بدءًا من العصور الفرعونية وصولاً إلى العصور الرومانية والإسلامية والقبطية. وتبرز منطقة جبل الدخان كواحدة من أهم المواقع الأثرية الرومانية التي تحمل قيمة تاريخية استثنائية، رغم حاجتها الماسة لمزيد من الاهتمام والبحث والاكتشاف لتسليط الضوء على عظمتها.
موقع استراتيجي وتاريخ يمتد لعصر دقلديانوس
تقع منطقة جبل الدخان في قلب سلاسل جبال البحر الأحمر، على مسافة تصل إلى نحو 65 كيلومترًا شمال غرب مدينة الغردقة. وقد اتخذت المنطقة موقعًا استراتيجيًا هامًا ارتبط بالحركة التجارية القديمة التي كانت تربط بين ساحل البحر الأحمر وصعيد مصر. ويعود التاريخ العريق لهذه المنطقة إلى القرن الثالث الميلادي، وتحديدًا في عهد الإمبراطور الروماني دقلديانوس، حيث كانت مركزًا حيويًا لاستخراج الأحجار النادرة.
وتشير الدراسات الأثرية المتوفرة إلى أن الموقع يضم بقايا معبد روماني صغير، بالإضافة إلى مدينة متكاملة كانت مخصصة للعمال الذين يشرفون على عمليات العمل في المحاجر، فضلاً عن وجود مقابر قديمة توضح تفاصيل الحياة اليومية خلال تلك الحقبة الزمنية.
محاجر حجر السماق الإمبراطوري وأهميتها الاقتصادية
لعب جبل الدخان دورًا اقتصاديًا كبيرًا في العصر الروماني، حيث استُخدم كمحجر رئيسي لاستخراج حجر السماق الإمبراطوري. ويشتهر هذا الحجر بلونه البنفسجي المائل إلى الاحمرار، وكان من الأحجار الثمينة والنادرة التي استُخدمت في بناء القصور والمنشآت الضخمة داخل حدود الإمبراطورية الرومانية.
ولضمان استمرارية العمل، أنشأ الرومان مدينة كاملة لخدمة العمال في الموقع، كما قاموا بتأسيس ميناء صغير يُطلق عليه اسم حصن أبو شعر، وكان هذا الميناء مخصصًا لتصدير الأحجار الثمينة عبر مياه البحر الأحمر إلى مختلف مناطق الإمبراطورية، مما يعكس الثقل الاقتصادي الذي تمتع به الموقع آنذاك.
تنوع أثري وطبيعي ونقاط تفتيش تاريخية
تتميز منطقة جبل الدخان بتنوع فريد يجمع بين الآثار والطبيعة؛ فهي لا تضم آثارًا رومانية فحسب، بل تحتوي على مدن وقلاع رومانية قديمة، ومناجم للذهب، وعيون للمياه العذبة، وتنتشر بين جبالها أشجار التين والنخيل. كما وُجدت في المنطقة كهوف تعود للفترة القبطية، مما يدل على استمرار الوجود البشري والنشاط في المنطقة عبر عصور مختلفة.
ومن الحقائق التاريخية البارزة في الموقع وجود 11 نقطة تفتيش قديمة، كانت مهمتها الأساسية تأمين الطريق التاريخي الذي يربط بين ساحل البحر الأحمر ومحافظات الصعيد، وهو ما يؤكد الدور المحوري للمنطقة في تأمين حركة التجارة القديمة.
جهود لاستكشاف الموقع وتطويره سياحيًا
في إطار السعي لإحياء هذا الموقع، نظمت إدارة السياحة بمحافظة البحر الأحمر رحلة استكشافية بالتعاون مع نقابة المرشدين السياحيين. وشارك في هذه الرحلة مدير مكتب آثار البحر الأحمر، ومندوب الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، ونقيب المرشدين السياحيين، وممثلون عن شركات سياحية كبرى.
وقد أجمع المشاركون في الرحلة على أن جبل الدخان يمتلك مقومات سياحية هائلة، وأكدوا إمكانية إدراج المنطقة ضمن برامج رحلات السفاري والسياحة الثقافية، وهو ما من شأنه أن يساهم في تنويع المنتج السياحي المصري وجذب أعداد أكبر من الزوار للمنطقة.



