عالم وعرب

أزمة ثقة تضرب نظام الامتحانات الوطنية في الهند

أزمة ثقة تضرب نظام الامتحانات الوطنية في الهند

كتب: إسلام السقا

تواجه منظومة الامتحانات عالية المخاطر في الهند أزمة ثقة متصاعدة، حيث تعاني الوكالة الوطنية للاختبارات (NTA) من تحديات هيكلية تهدد مصداقيتها. ورغم تأسيس هذه الوكالة في عام 2017 تحت إشراف وزارة التعليم الاتحادية بهدف ضمان النزاهة والشفافية ومعالجة مشكلات تسريب الأوراق والخطأ الإداري، إلا أنها بعد ثماني سنوات من العمل، تجد نفسها في قلب عاصفة من عدم الثقة نتيجة تكرار الإخفاقات.

تسريبات الامتحانات واحتجاجات الطلاب

شهد شهر يونيو الماضي واقعة كبرى أجبرت أكثر من مليوني طالب على إعادة امتحان دخول الطب الحيوي بعد تسريب ورقة الاختبار. أدت هذه الحادثة إلى موجة واسعة من الاحتجاجات التي قادها الشباب، والتي انتهت في نهاية المطاف باستقالة وزير التعليم الاتحادي. وفي محاولة لاحتواء الأزمة، شكلت الحكومة فرقة عمل رفيعة المستوى بقيادة رجل الأعمال التقني ناندان نيلكاني لتقديم توصيات بالإصلاح واستعادة الثقة في النظام.

وتشير التقارير إلى أن هذه الخطوة تثير شعوراً بالتكرار لدى المواطنين الهنود، حيث تم تشكيل لجنة مماثلة في عام 2024 عقب اضطرابات واسعة بسبب عدم انتظام في امتحان طبي آخر. ورغم أن تلك اللجنة اقترحت أكثر من 100 إصلاح، إلا أن نصفها فقط تم تنفيذه بالكامل، مما جعل الدورة تتكرر: وقوع خطأ في الامتحان، ثم احتجاج الطلاب، ثم تشكيل لجنة، وصولاً إلى مقترحات إصلاحية لا تمنع وقوع الأزمات التالية.

مقترحات للتحول الرقمي وتطوير البنية التحتية

يرى خبراء أن المشكلات تتجاوز مجرد تسريب الأوراق لتشمل قدرة الوكالة على المساءلة وتصميم الاختبارات. ويؤكد بي جي راو، رئيس جامعة إس جي تي بالقرب من دلهي وعضو اللجنة السابقة، على ضرورة الانتقال الحاسم نحو الامتحانات القائمة على الكمبيوتر لتقليل التدخل البشري وفرص التسريب. ويقترح راو استبدال مراكز الامتحانات المؤقتة بمراكز إلكترونية موحدة تسيطر عليها الدولة مع تحسين البنية التحتية الرقمية.

إلى جانب التكنولوجيا، أشار راو إلى خلل في إدارة الموارد البشرية، حيث تعتمد الوكالة بشكل كبير على الموظفين المتعاقدين، إذ يوجد 24 موظفاً دائماً فقط من أصل 221 موظفاً. ويعتقد أن هذا الاعتماد على العمالة المؤقتة يضعف الشعور بالانتماء ويؤثر على جودة الإدارة والإشراف، مشدداً على الحاجة إلى كوادر أكاديمية وخبرات متخصصة في إدارة التقييمات.

إعادة هيكلة نظام الاختبارات والفرص المتعددة

من جانبه، يقترح كيشاف أغاروال، رئيس اتحاد التربويين، إعادة هيكلة امتحان (NEET-UG) ليكون على مراحل متعددة عبر جلسات مختلفة بأسئلة متنوعة، على غرار امتحانات الهندسة، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بيوم اختبار واحد. كما دعت ياميني آيار، الباحثة في جامعة براون، إلى تبني نظام يتيح للطلاب فرصة دخول الامتحانات أكثر من مرة في السنة، لتجنب ضياع عام دراسي كامل في حال إلغاء الامتحان أو عدم الأداء الجيد.

بالنسبة لملايين الطلاب، تمثل هذه الأزمات عبئاً نفسياً ومادياً هائلاً؛ فكثير منهم يقضون سنوات في التحضير وينفقون آلاف الروبيات على الدروس الخصوصية. وتعبر طالبات مثل باري ومانسي بانسال عن إحباطهن الشديد من ضياع شهور من الجهد والانتظار في حالة من عدم اليقين، وسط تساؤلات مستمرة حول قدرة الحكومة على ضمان عدم تكرار هذه التسريبات مستقبلاً.

مستقبل الوكالة الوطنية للاختبارات

بينما تتعالى أصوات الناشطين والسياسيين للمطالبة بإلغاء الوكالة الوطنية للاختبارات تماماً، يرى خبراء مثل إم جاغاديش كومار، رئيس هيئة تنظيم الجامعات السابق، أن الحل ليس في الإلغاء بل في الإصلاح الهيكلي العميق. ويحذر كومار من أن وجود هيئة وطنية واحدة يوفر معايير أمنية وتقنية موحدة، وأن إنشاء وكالات متعددة قد يؤدي إلى تضاعف التكاليف وعدم توازن الضمانات.

ويبقى التحدي الأكبر ليس فقط في تأمين الامتحانات، بل في كيفية إدارة نظام مركزي شديد الضغط يتنافس فيه الملايين على مقاعد تعليمية محدودة، حيث يظل البحث عن نظام تعليمي أكثر مرونة وقدرة على الصمود هو المطلب الأساسي للطلاب والخبراء على حد سواء.

شارك الخبر: