كتبت: بسنت الفرماوي
يحل يوم الثامن والعشرين من سبتمبر من كل عام، حاملاً في وجدان المصريين ذكرى رحيل زعيم الأمة العربية جمال عبد الناصر. ويستعيد الشعب المصري في هذا التاريخ ملامح شخصية اتسمت بالشجاعة والقدرة على قول الحق والوقوف بحزم أمام التدخلات الأجنبية، كما عُرف بهدوئه وطموحه وتمسكه بالمبادئ السياسية والوطنية. إن ذكرى رحيله ليست مجرد مناسبة عابرة، بل هي محطة لاستحضار التحولات الجذرية التي غيرت وجه الدولة المصرية في مختلف المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
تأميم قناة السويس واستعادة السيادة
شكل قرار تأميم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية في 26 يوليو 1956 نقطة تحول تاريخية في تاريخ مصر الحديث. جاء هذا القرار رداً على سحب الولايات المتحدة وبريطانيا والبنك الدولي عروض تمويل السد العالي، حيث أعلن عبد الناصر في كلمته الشهيرة أن الشركة العالمية لقناة السويس هي شركة مساهمة مصرية سيتم تأميمها، لتؤول كافة أموالها وحقوقها والتزاماتها إلى الدولة المصرية. وبموجب هذا القرار، أصبحت مرافق الملاحة تُدار بواسطة هيئة مستقلة تتبع وزارة التجارة، وتتمتع بكافة السلطات اللازمة للإدارة بعيداً عن القيود الحكومية، مما أعاد السيادة الاقتصادية لمصر وعزز مكانة عبد الناصر كزعيم عربي.
ثورة الإصلاح الزراعي وتغيير الهيكل الريفي
سعى جمال عبد الناصر إلى تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال قوانين الإصلاح الزراعي التي بدأت في 9 سبتمبر 1952، بهدف تحديد الملكية الزراعية وتحسين أوضاع صغار الفلاحين. حدد القانون الأول بحد أقصى 200 فدان للفرد، مع اعتبار أي عقد يخالف ذلك باطلاً. وفي خطوة لاحقة في 25 يوليو 1961، صدر قانون زراعي جديد خفض الحد الأقصى للملكية إلى 100 فدان للفرد، أو 100 فدان للأسرة. وقد أسفرت هذه الإجراءات عن توزيع أكثر من مليون فدان على صغار الفلاحين، مما استفاد منه نحو 362 ألف أسرة ريفية، وساهم في إنهاء هيمنة كبار الملاك على الاقتصاد الريفي.
القوانين الاشتراكية وتوسيع القطاع العام
في يوليو 1961، أطلق الرئيس الراحل مجموعة من القوانين الاشتراكية التي دشنت مرحلة التأميم الواسع، حيث شملت البنوك وشركات التأمين الخاصة، بالإضافة إلى 114 شركة صناعية وتجارية كبرى. نصت القوانين على تحديد حصة الفرد في الشركات بعشرة آلاف جنيه، مع تحويل المبالغ الزائدة إلى سندات حكومية. كما منحت هذه التشريعات العمال حق الحصول على 25% من أرباح الشركات، توزعت بين العمال مباشرة بنسبة 10%، والخدمات الاجتماعية والإسكان بنسبة 5%، والخدمات الاجتماعية المركزية بنسبة 10%. وبحلول عام 1965، أصبح القطاع العام يساهم بنسبة 58% من إجمالي الإنتاج الصناعي في البلاد.
ملحمة بناء السد العالي
بدأت مسيرة بناء السد العالي كحلم وطني بدراسته من قبل مجلس قيادة الثورة في أكتوبر 1952. وعقب سحب البنك الدولي تمويله في يوليو 1956، اتجهت مصر نحو الاتحاد السوفيتي، حيث تم توقيع اتفاق في ديسمبر 1958 لمنح مصر قرضاً بقيمة 4 مليارات روبل للمرحلة الأولى. انطلقت الأعمال رسمياً في يناير 1960، وشملت حفر القنوات والأنفاق وتأسيس محطة الكهرباء. وفي أغسطس 1960، تم توقيع اتفاق ثانٍ لقرض إضافي قدره 5 مليارات روبل للمرحلة الثانية. ومع حلول منتصف مايو 1964، بدأت عملية تخزين المياه في البحيرة، وصولاً إلى أكتوبر 1967 حين ولدت أول كيلوواط من محطة الكهرباء، واكتمل الهيكل الإنشائي في منتصف يوليو 1970.



