كتب: أحمد عبد السلام
لم يعد قرار نشر صور الأطفال على منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة لمشاركة اللحظات العائلية السعيدة مع الأصدقاء والمقربين، بل تحول إلى قضية أمنية تثير قلق الآباء والأمهات حول العالم. ومع التطور الهائل والمتسارع في أدوات الذكاء الاصطناعي، بدأ هذا النقاش يأخذ منحنى حاسماً، حيث يميل الكثير من الأهالي والمصورين المحترفين إلى التوقف التام عن مشاركة وجوه الأطفال عبر الإنترنت، خوفاً من مخاطر استغلال هذه البيانات الرقمية.
تطور الذكاء الاصطناعي وتغيير قواعد الخصوصية
أحدث التطور في تقنيات الذكاء الاصطناعي تغييراً جذرياً في كيفية التعامل مع الصور الرقمية. وقد برزت هذه المخاوف بشكل جلي بعد واقعة أثارت الفزع لدى البعض، حيث واجهت سيدة تُدعى كالي روبينز تجربة غير متوقعة مع روبوت الذكاء الاصطناعي التابع لشركة ميتا Meta AI. فبناءً على مقطع فيديو نشرته السيدة مع طفلها، قدم الروبوت اقتراحات تضمنت أسئلة حول هوية الطفل الراكب، بل وتمكن من استدعاء صور ظن أصحابها أنها حُذفت، بالإضافة إلى سحب معلومات تخص أطفالها من صفحة والدتها على فيسبوك.
ورغم أن شركة ميتا وصفت ما حدث بأنه خطأ تقني تم إصلاحه، إلا أن الواقعة كانت جرس إنذار حقيقي. فقد أدركت كالي، التي كانت تتبع احتياطات مثل عدم تصوير أطفالها بزي المدرسة أو أمام معالم واضحة، أن تلك الإجراءات لم تعد كافية أمام قدرة الذكاء الاصطناعي على تجميع المعلومات من حسابات متعددة وربطها ببعضها البعض.
مخاوف التزييف العميق واستغلال البيانات
بجانب الثغرات التقنية، يبرز خطر الاستغلال العميق من خلال تقنية التزييف العميق Deepfakes، وهو ما دفع مصوري العائلات المحترفين إلى اتخاذ مواقف صارمة. فقد أعلن العديد من المصورين عبر منصة إنستجرام عن سياسة جديدة تقضي بعدم نشر وجوه الأطفال على مواقعهم المهنية أو حساباتهم الشخصية.
وينبع هذا التوجه من الخوف من استخدام صور الأطفال كبيانات تدريبية لنماذج الذكاء الاصطناعي، أو استخدامها في إنتاج مواد مسيئة عبر تقنيات التزييف. وقد زاد هذا القلق عقب حكم قضائي في الولايات المتحدة أثار جدلاً واسعاً، حيث اعتبر أن حيازة المواد المسيئة للأطفال التي يتم توليدها بالذكاء الاصطناعي تُعد نوعاً من حرية التعبير لأنها مواد اصطناعية، مما عزز القناعة بأن الذكاء الاصطناعي يعتمد على امتصاص الصور المتاحة على الإنترنت لإنتاج محتواه.
نصائح لحماية خصوصية الأطفال في العصر الرقمي
في مواجهة هذه التحديات، لا يعني الأمر بالضرورة التوقف الكامل عن توثيق الذكريات، بل يتطلب الأمر التعامل بوعي وحذر شديدين. ولحماية خصوصية الطفل، يُنصح بمراجعة إعدادات الخصوصية بدقة والتأكد من أن الحسابات مخصصة للأصدقاء والعائلة فقط، لتجنب جعل الصور مشاعاً لبرامج جمع البيانات.
كما يُشدد الخبراء على ضرورة إخفاء أي معالم دالة في الصور، مثل لافتات الشوارع أو تفاصيل المدارس التي قد تحدد موقع الطفل الروتيني. ومن الأساليب الفعالة أيضاً انتقاء الصور التي لا تظهر الملامح بوضوح، مثل تصوير الطفل من الخلف، والاحتفاظ بالصور الشخصية الواضحة في ألبومات خاصة أو مشاركتها عبر رسائل مغلقة مع المقربين فقط لضمان أقصى درجات الأمان الرقمي.



