كتب: كريم همام
تمثل ذكرى فك رموز حجر رشيد حدثاً مفصلياً في تاريخ علم المصريات، حيث فتح هذا الاكتشاف نافذة واسعة مكنت العالم من قراءة تاريخ مصر القديمة بألسنة أصحاب الحضارة أنفسهم. فبعد قرون من العجز عن فهم الكتابة المصرية القديمة، نجح العلماء في فك الشفرة التي ظلت لغزاً عصياً على الفهم، مما أعاد كتابة التاريخ المصري من جديد.
مرسوم بطليموس الخامس والبداية التاريخية
تعود جذور القصة إلى عام 196 قبل الميلاد، حيث صُنع حجر رشيد في عهد الملك بطليموس الخامس. لم يكن الحجر في الأصل قطعة منفردة، بل كان جزءاً من لوحة تحمل مرسوماً أصدره مجلس من الكهنة بشأن الملك بطليموس الخامس. وتكمن القيمة العلمية الاستثنائية لهذا الحجر في احتوائه على ثلاثة أقسام كتابية مختلفة لنفس النص: الهيروغليفية في الأعلى، والديموطيقية في الوسط، واليونانية القديمة في الأسفل.
هذا التكرار للنص نفسه باستخدام أنظمة كتابة متنوعة منح الباحثين فرصة نادرة للمقارنة؛ إذ كان بإمكان العلماء في أوروبا قراءة النص اليوناني، ومن ثم استخدامه كمرجع لمقارنته بالنصوص المصرية الغامضة. ويحتوي الجزء المتبقي من الحجر حالياً على 14 سطراً بالهيروغليفية، و32 سطراً بالديموطيقية، و53 سطراً باليونانية القديمة وفقاً لبيانات المتحف البريطاني.
اكتشاف عسكري بالمصادفة في مدينة رشيد
انتقلت الأحداث إلى فصل جديد عام 1799، خلال الحملة الفرنسية على مصر. ففي يوليو من ذلك العام، وأثناء قيام القوات الفرنسية بأعمال تحصين قرب مدينة رشيد، عثر جندي فرنسي على الحجر. ويرتبط هذا الاكتشاف بالضابط الفرنسي بيير فرانسوا بوشار، الذي أدرك فوراً الأهمية الكبرى للنقوش المختلفة الموجودة على سطح الحجر.
بمجرد انتشار أخبار الاكتشاف، بدأ الحجر يجذب اهتمام العلماء كونه قد يمثل المفتاح لحل لغز الكتابة المصرية. ومع ذلك، لم يستقر الحجر في يد الفرنسيين طويلاً، فبعد هزيمة قواتهم في مصر عام 1801، انتقل الحجر إلى البريطانيين بموجب شروط استسلام الإسكندرية، ووصل إلى إنجلترا في العام التالي، ليُعرض في المتحف البريطاني منذ عام 1802.
المنافسة العلمية بين توماس يانج وشامبليون
دخل العالم الإنجليزي توماس يانج ميدان البحث بقوة، حيث أحرز تقدماً في دراسة الكتابة الديموطيقية، وأثبت أن بعض العلامات تمثل أصواتاً، خاصة عند كتابة أسماء الحكام مثل "بطليموس". ورغم أهمية إنجازاته، إلا أنه ظل يعتقد أن الاستخدام الصوتي للعلامات يقتصر على أسماء الحكام الأجانب فقط.
جاءت النقلة النوعية على يد العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، الذي استغل معرفته العميقة باللغة القبطية، باعتبارها المرحلة المتأخرة من اللغة المصرية، ليتمكن من ربط الأصوات بالكلمات القديمة. وأدرك شامبليون أن النظام الهيروغليفي أكثر تعقيداً مما كان يعتقد، وأن القيمة الصوتية للعلامات هي جزء أصيل من نظام الكتابة المصري وليست مجرد وسيلة لكتابة الأسماء الأجنبية.
لحظة الحسم وإعلان التاريخ في باريس
في 14 سبتمبر 1822، وصل شامبليون إلى مرحلة حاسمة في أبحاثه، حيث أعلن بحماس عن توصله للحل. وبعد أقل من أسبوعين، وتحديداً في 27 سبتمبر 1822، قُرئت رسالته الشهيرة أمام أكاديمية النقوش والآداب في باريس، وهو الحدث الذي اعتبره المتحف البريطاني اللحظة الحاسمة في فك رموز الكتابة المصرية القديمة.
هذا الإعلان لم يعني ترجمة فورية لكل النصوص، بل كان بمثابة وضع المفتاح العلمي الذي أثبت طبيعة النظام الكتابي، مما سمح لعلماء المصريات بمواصلة العمل وتطوير فهمهم للحضارة المصرية حتى يومنا هذا.



