عالم وعرب

تاريخ اختيار باباوات الكنيسة من زهد الصوامع إلى العرش

تاريخ اختيار باباوات الكنيسة من زهد الصوامع إلى العرش

كتب: كريم همام

يمثل الانتقال من حياة الرهبنة المنعزلة في الصوامع إلى الجلوس على الكرسي المرقسي تحولاً جذرياً في حياة الراهب، حيث ينتقل من العزلة والتأمل الروحي إلى قيادة مؤسسة عريقة تمتد جذورها لألفي عام. هذا التحول ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو مسؤولية جسيمة تتطلب إدارة الأزمات الاجتماعية والسياسية والقيام بدور الرعاية للأمة.

العصر الذهبي للتزكية والتوافق الروحي

في الحقبات الأولى من تاريخ الكنيسة، كانت عملية اختيار البطريرك تعتمد بشكل أساسي على الشفافية الروحية والتوافق الجماعي دون الحاجة إلى لوائح رسمية أو صناديق اقتراع. كانت الكنيسة تبحث عن الرهبان الأكثر تجرداً وورعاً، حيث تجتمع كلمة المجمع المقدس والكهنة والأراخنة على اسم المرشح كأنه نداء سماوي.

وقد تجلت هذه الروحانية في اختيار البابا بطرس السابع (الجاولي)، البطريرك الـ 109، الذي كان راهباً متوحداً في دير الأنبا أنطونيوس واختير بالتزكية التلقائية. كما شهد هذا العصر صعود البابا كيرلس الرابع، البطريرك الـ 110، الملقب بأبي الإصلاح، والذي كان رئيساً لدير الأنبا أنطونيوس، حيث ساهمت قدراته الفكرية في نهضة تعليمية كبرى. وكذلك البابا كيرلس الخامس، البطريرك الـ 112، المعروف بلقب يوحنا الناسخ، والذي اختير لورعه الشديد وجلس على العرش لأكثر من 52 عاماً.

التحول نحو الصراع القانوني والانتخاب المباشر

مع مطلع القرن العشرين وتطور الدولة المصرية، دخلت آليات الاختيار مرحلة جديدة اتسمت بالسجال القانوني والسياسي. برز تيار إصلاحي يفضل ترشيح الأساقفة والمطارنة ممن يمتلكون الخبرة الإدارية والرعوية، بدلاً من الاقتصار على الرهبان المتوحدين. وقد كسر هذا التوجه الأعراف التقليدية عند انتخاب البابا يؤانس التاسع عشر، البطريرك الـ 113، الذي كان مطراناً لإيبارشية البحيرة والمنوفية.

تكرر هذا النهج مع البابا مكاريوس الثالث، البطريرك الـ 114، ومطران أسيوط سابقاً، والبابا يوساب الثاني، البطريرك الـ 115، مطران جرجا سابقاً. هذه الفترة شهدت تجاذباً حاداً بين المجمع المقدس والمجلس الملي، مما سلط الضوء على ضرورة وجود لائحة تنظيمية حاسمة لحماية قدسية الاختيار من التدخلات.

لائحة 1957 ونظام القرعة الهيكلية

لإنهاء حالة التخبط وضمان تطهير عملية الاختيار من الضغوط السياسية، صدرت لائحة نوفمبر 1957 لتكون الدستور الحاكم لانتخاب البابوات. وضعت هذه اللائحة شروطاً دقيقة لهيئة الناخبين، لكنها اعتمدت آلية فريدة تسمى القرعة الهيكلية، حيث يُترك القرار النهائي لليد الإلهية على المذبح.

ظهر أثر هذه اللائحة بوضوح في اختيار البابا كيرلس السادس، البطريرك الـ 116، الذي كان الراهب مينا البراموسي يعيش في طاحونة هواء مهجورة، حيث تم اختياره عبر القرعة في عام 1959. وعلى النهج ذاته، تم اختيار البابا شنوده الثالث، البطريرك الـ 117، عام 1971، والذي كان قد جاء من دير السريان، ليقود الكنيسة لمدة 41 عاماً وسط تحديات فكرية ووطنية كبرى.

رهبة طقس التجليس والمسؤولية الجديدة

تصل العملية إلى ذروتها في حفل التجليس، حيث تُعزف الألحان الكنسية وتُتلى الصلوات البابوية. يوضع الإكليل الذهبي على رأس البطريرك ويُجلس على كرسي مارمرقس ليتسلم عصا الرعاية. في هذه اللحظة، يدرك الراهب أن حياته الزاهدة قد انتهت لتبدأ رحلة القيادة، حيث يصبح الوطن بأكمله هو صومعته الجديدة، ويتحمل ثقل التاج بروحانية لا تنطفئ.

شارك الخبر: