كتب: أحمد عبد السلام
كشفت دراسة علمية حديثة عن دور حيوي ومحوري يلعبُه المجال المغناطيسي لكوكب الأرض في صياغة بيولوجيا الكائنات الحية. وأشارت النتائج إلى أن هذا الغلاف غير المرئي، الذي يتشكل في أعماق لب الأرض منذ نحو 3.7 مليار سنة، لا يقتصر دوره على حماية الكوكب من الرياح الشمسية القاسية والحفاظ على المياه فحسب، بل قد يمتد تأثيره ليشمل عمليات الشيخوخة وتطوير علاجات مستقبلية لأمراض عصبية مستعصية مثل مرض باركنسون والزهايمر.
تأثيرات المجال المغناطيسي على الخلايا الحية
أوضحت الأبحاث أن الكائنات الحية تعيش باستمرار داخل نطاق هذا المجال الذي يمر عبر الأجسام والخلايا. ورغم المعرفة السابقة بقدرة الحيوانات المهاجرة مثل السلاحف البحرية والطيور على استشعار هذا المجال واستخدامه في الملاحة، إلا أن التأثير البيولوجي العميق للمجال المغناطيسي على وظائف الخلايا لا يزال يشكل لغزاً علمياً كبيراً يسعى الباحثون لفك رموزه.
تجربة مخبرية على ذباب الفاكهة
في محاولة لفهم هذا التأثير، قام فريق بحثي بتعطيل المجال المغناطيسي المحيط باستخدام نظام حماية خاص لخفضه إلى مستويات تقترب من الصفر. واستهدف الباحثون مقارنة مجموعتين من ذباب الفاكهة؛ المجموعة الأولى سليمة، والمجموعة الثانية تعاني من خلل في جين Pink1، وهو الجين المرتبط بمرض باركنسون الوراثي المبكر لدى البشر. وعبر فترة مراقبة استمرت 70 يوماً، رصد العلماء نتائج غير متوقعة.
أظهرت النتائج أن حماية ذباب Pink1 المصاب من المجال المغناطيسي للأرض ساهمت في إطالة عمره بنسبة تصل إلى 20%، إلا أن هذا الطول في العمر صاحبه انخفاض في الأداء البدني، وهو ما تم قياسه عبر قدرة الذباب على التسلق. وفي المقابل، أظهر الذباب السليم نمطاً معاكساً، حيث عاش لفترة أقصر ولكن بأداء بدني أكثر كفاءة في ظل نفس الظروف المغناطيسية.
الميتوكوندريا وسر إطالة العمر
يربط الباحثون هذه التأثيرات الحيوية بعملية إنتاج الطاقة داخل الخلايا، وتحديداً في عضيات الميتوكوندريا، وتحديداً في ما يعرف بالمركب الثاني. ففي حالة الذباب السليم المحمي من المجال، لوحظ ارتفاع في نشاط هذا المركب وزيادة في جزيء تفاعلي يسمى فوق الأكسيد، وهو ناتج ثانوي قد يسبب تلف الخلايا ويؤدي لقصر العمر. أما في حالة ذباب Pink1، فقد عمل ارتفاع نشاط المركب الثاني على تعويض النقص الجيني، مما أحدث تأثيراً مفيداً أدى لإطالة العمر.
آفاق علاجية وتحديات الفضاء
تفتح هذه النتائج الباب أمام احتمالية استخدام ظروف نقص المجال المغناطيسي كطريقة علاجية غير جراحية لأمراض مثل الزهايمر وباركنسون. كما تحمل الدراسة أبعاداً تتجاوز حدود الأرض، خاصة مع توجه وكالات الفضاء نحو مهام طويلة الأمد على القمر والمريخ، حيث سيواجه رواد الفضاء فترات طويلة خارج نطاق المجال المغناطيسي للأرض، مما يستدعي دراسة تأثير غياب هذا المجال على فسيولوجيا الإنسان بمعزل عن تأثير الإشعاع الكوني.


