كتبت: بسنت الفرماوي
تؤدي النزاعات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط واضطراب إمدادات النفط والغاز إلى مرحلة جديدة من إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والتجارية حول العالم. ويأتي هذا التحول في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الإنتاج والنقل والتأمين، وزيادة الضغوط التضخمية التي طالت التجارة الدولية والاستثمارات وسلاسل الإمداد وأسعار الغذاء.
مخاطر اضطراب الإمدادات وتوقعات الأسعار
تشير التوقعات إلى احتمالية وصول متوسط سعر خام برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل خلال الربع الأخير من عام 2026، نتيجة استمرار القيود على تدفقات النفط من الشرق الأوسط. وقد شهدت الأسواق تقلبات حادة، حيث بلغ متوسط سعر خام برنت نحو 114 دولارًا للبرميل خلال سبتمبر 2026، ووصل في إحدى الجلسات إلى 131 دولارًا، وسط مخاوف من تعطل الصادرات السعودية وتضرر بعض المنشآت.
كما أثرت الظروف المناخية على الإنتاج، حيث تسبب إعصار إيساياس في توقف نحو 72% من إنتاج النفط الأمريكي البحري في خليج المكسيك، ما يعادل قرابة 1.5 مليون برميل يوميًا، مما أضاف ضغوطًا جديدة على سوق تعاني بالفعل من اضطرابات الإمدادات.
أهمية الممرات المائية وتأثيرها على التجارة
يمثل مضيق هرمز والبحر الأحمر ممرات استراتيجية تتحكم في استقرار تجارة الطاقة العالمية. وقد عبر مضيق هرمز نحو 20 مليون برميل يوميًا من النفط والمنتجات البترولية خلال عام 2025، ما يمثل 25% من تجارة النفط المنقولة بحرًا عالميًا، بينما تجاوزت شحنات الغاز المسال العابرة للمضيق 110 مليارات متر مكعب.
وتعد الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية من أكثر الاقتصادات تأثرًا بهذه التطورات بسبب اعتمادها على واردات الطاقة من الشرق الأوسط. ورغم وجود مسارات بديلة عبر خطوط أنابيب في السعودية والإمارات، إلا أن طاقتها الاستيعابية تظل محدودة مقارنة بالكميات التي تعبر المضيق.
تداعيات أزمة الغاز والفرص الاقتصادية الجديدة
امتدت تداعيات الأزمة لتشمل سوق الغاز الطبيعي المسال، حيث انخفضت صادرات قطر والإمارات بنحو 35 مليار متر مكعب في الفترة من مارس إلى يونيو 2026. وفي المقابل، ارتفع إنتاج الغاز المسال خارج منطقة الخليج بنسبة 18%، مدعومًا بمشروعات جديدة في أمريكا الشمالية وأفريقيا، مما ساهم في تعويض جزء كبير من النقص الخليجي.
تفتح هذه الاضطرابات فرصًا أمام دول مثل الولايات المتحدة وأستراليا وبعض الدول الأفريقية لزيادة قدراتها التصديرية. ومن المتوقع ارتفاع صادرات الولايات المتحدة من الغاز المسال لتصل إلى 18.6 مليار قدم مكعبة يوميًا بحلول عام 2027، رغم الضغوط التي قد يفرضها ارتفاع أسعار الوقود على الأسر والشركات الأمريكية.
التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري
يواجه الاقتصاد المصري تحديات مرتبطة بارتفاع فاتورة واردات الطاقة وتكاليف الإنتاج الصناعي، خاصة في قطاعات الأسمدة والبتروكيماويات التي تعتمد على استقرار الإمدادات. كما تشكل اضطرابات البحر الأحمر تحديًا إضافيًا يؤثر على حركة السفن العابرة لقناة السويس وإيراداتها من النقد الأجنبي، رغم تسجيل ارتفاع في حمولات سفن الحاويات خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.
سيناريوهات مستقبل أسواق الطاقة
تتأرجح أسواق النفط والغاز بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية؛ الأول هو التعافي التدريجي للإمدادات وانخفاض الأسعار إلى نحو 74 دولارًا للبرميل في أواخر 2027، والثاني هو استمرار الاضطرابات وبقاء الأسعار عند مستويات مرتفعة ومتقلبة، أما السيناريو الثالث فيتمثل في حدوث تصعيد عسكري جديد قد يدفع الأسعار إلى ارتفاعات غير مسبوقة نتيجة توقف كميات إضافية من الإنتاج.



