حوادث

المرض النفسي والمسؤولية الجنائية في قضايا القتل

المرض النفسي والمسؤولية الجنائية في قضايا القتل

كتب: صهيب شمس

تشهد المحاكم العربية في الآونة الأخيرة تصاعداً ملحوظاً في لجوء دفاع المتهمين بجرائم القتل العمد إلى طلب عرض موكليهم على مصلحة الطب النفسي. يهدف هذا الإجراء إلى الكشف عن القوى العقلية للمتهم وقت ارتكاب الجريمة، وهو ما تحول في كثير من الأحيان إلى ورقة رهان أخيرة لمحاولة الإفلات من عقوبة الإعدام، مما أثار تساؤلات قانونية وطبية واسعة حول قدرة المرض النفسي على تغيير مسار الأحكام القضائية.

القانون والطب النفسي ومعيار الإعفاء من العقاب

تتفق معظم التشريعات القانونية، سواء المستمدة من الشريعة الإسلامية أو القوانين الوضعية، على مبدأ جوهري وهو أنه لا عقاب بلا وعي وإدراك. وتنص المواد المتعلقة بالمسؤولية الجنائية على عدم معاقبة الشخص جنائياً إذا كان يعاني وقت ارتكاب الجريمة من اضطراب نفسي أو عقلي أدى إلى فقدانه الإدراك أو القدرة على الاختيار.

ويوضح الخبراء القانونيون أن هذا الإعفاء لا يعني الحصول على البراءة بمعناها المطلق، بل يعني انعدام المسؤولية الجنائية. وبدلاً من السجن أو تنفيذ حكم الإعدام، يتم إيداع المتهم في منشأة طبية مخصصة للصحة النفسية والعقلية تحت إشراف قضائي مباشر، وذلك لضمان سلامة المجتمع حتى يتماثل المتهم للشفاء.

آليات اللجان الطبية لكشف ادعاءات التمارض

رغم اعتقاد بعض المتهمين أن إثارة ملف المرض النفسي أو الادعاء بالهلوسة والبكاء داخل قاعة المحكمة قد يكون كافياً للهروب من العقوبة، إلا أن الواقع الطبي يثبت صرامة الإجراءات المتبعة. فعندما تستجيب المحكمة لطلب الدفاع، يتم إحالة المتهم إلى لجنة طبية ثلاثية أو خماسية تضم كبار أساتذة الطب النفسي الشرعي في جهات رسمية مثل مستشفى العباسية في مصر أو ما يعادلها في الدول الأخرى.

يخضع المتهم للملاحظة الدقيقة لفترة تتراوح ما بين 15 إلى 45 يوماً، وتعتمد اللجان على آليات صارمة لكشف حالات التمارض، تشمل الملاحظة السلوكية على مدار الساعة لمراقبة تفاعله مع الحراس والنزلاء دون علمه. كما يتم استخدام اختبارات نفسية وعصبية متطورة، تشمل قياس مستوى الذكاء، ورسم المخ، والتحاليل الطبية لاستبعاد تأثير المخدرات، بالإضافة إلى مطابقة سلوك المتهم مع تفاصيل الجريمة؛ فالقدرة على التخطيط والإخفاء والهروب تشير إلى سلوك إدراكي واعٍ يصعب معه قبول ادعاء الجنون المفاجئ.

الفرق بين الذهان والاضطرابات الشخصية في الأحكام

يفجر أطباء الطب النفسي الشرعي مفاجأة تتمثل في أن ليس كل مرض نفسي يعفي من عقوبة الإعدام. فالتفرقة تعتمد على نوع الاضطراب؛ حيث إن الذهان العقلي، مثل الفصام الحاد أو الضلالات الاضطهادية التي تفصل المتهم عن الواقع، هو ما قد ينجي من الإعدام. أما الاضطرابات الشخصية والنفسية مثل الاكتئاب، أو القلق، أو الشخصية السيكوباتية المعادية للمجتمع، أو حالات الغضب العارم، فهي لا تعدم الإدراك، وبالتالي يظل الشخص مسؤولاً جنائياً ويواجه عقوبة الإعدام كاملة.

سلطة القضاء في الفصل النهائي

تظل كلمة الفصل في النهاية بيد القضاء، حيث يعتبر التقرير الطبي الاستشاري جهة فنية، لكن المحكمة هي الخبير الأعلى في الدعوى. يمتلك القاضي الحق في الأخذ بالتقرير الطبي أو طرحه جانباً إذا اطمأنت المحكمة من خلال الأدلة وشهود العيان إلى أن المتهم كان بكامل وعيه وقت ارتكاب الجريمة. وبذلك، يظل الكشف النفسي ميزاناً دقيقاً للعدالة يضمن حماية من سُلبت إرادتهم، ويمنع في الوقت نفسه المتسترين خلف رداء المرض الزائف من الإفلات من العقاب.

شارك الخبر: