كتبت: بسنت الفرماوي
تواجه الصحافة المصرية تحديات وجودية كبرى تتجاوز مجرد تراجع أعداد التوزيع لتصل إلى أزمة نموذج صحفي كامل كان يشكل الوعي العام. ومع التحول من رائحة المطابع إلى رنات الرسائل الإلكترونية، يبرز تساؤل ملح حول قدرة المؤسسات الإعلامية على إعادة اختراع نفسها قبل التحول إلى موت بطيء.
انهيار حاد في أرقام التوزيع
تشير البيانات إلى تدهور هائل في سوق توزيع الصحف الورقية خلال عقد من الزمان. فوفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، انخفضت الصحف المصرية من توزيع نحو 2.8 مليون نسخة يومياً في عام 2010، إلى حوالي 1.4 مليون نسخة في عام 2018، وصولاً إلى نحو 540 ألف نسخة يومياً في عام 2020. وفي تقديرات أخرى، وصل إجمالي التوزيع إلى نحو 300 ألف نسخة يومياً فقط.
الهجرة نحو الصحافة البديلة
هذا التراجع لا يعني فقدان الاهتمام بالأخبار، بل يعكس هجرة الجمهور نحو منصات التواصل الاجتماعي والهواتف المحمولة التي أصبحت غرفة الأخبار الشخصية. وقد تعاملت مؤسسات صحفية عديدة مع الإنترنت كمجرد ملحق للنسخة الورقية، بدلاً من إنتاج محتوى رقمي له أدواته ولغته الخاصة، بينما تتجه المؤسسات العالمية نحو الاستثمار في البيانات والبودكاست والذكاء الاصطناعي.
تحديات اقتصادية وتقنية
تعاني الصحافة التقليدية من ضربة مزدوجة؛ تراجع التوزيع وانتقال الإعلانات إلى المنصات الرقمية الكبرى مثل جوجل وفيسبوك. وفي مصر، تزداد الأزمة قسوة بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والطباعة، حيث بلغت ديون المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة نحو 9 مليارات جنيه. كما يطرح الذكاء الاصطناعي تحدياً جديداً يتمثل في قدرة المستخدم على الحصول على إجابات مباشرة دون الحاجة لزيارة المواقع الإخبارية.
مستقبل الصحافة في عصر التكنولوجيا
يتطلب الخروج من هذه الأزمة الانتقال إلى نموذج مؤسسة متعددة المنصات، تنتج النص والفيديو والصوت وتستخدم التكنولوجيا دون التفريط في العقل الصحفي. إن إنقاذ الصحافة لا يكون بالحنين إلى الماضي، بل عبر بناء صحافة أكثر تخصصاً، واستقلالاً مالياً، وقدرة على استخدام التكنولوجيا لاستعادة القارئ وصناعة المعرفة.



