كتبت: سلمي السقا
تواجه الولايات المتحدة مفارقة عسكرية تتمثل في نقص حاد في الذخائر والأسلحة الحيوية، وذلك رغم وصول مستويات الإنفاق الدفاعي الأمريكي إلى أرقام قياسية. هذا التناقض كشف عن نقاط ضعف جوهرية في القاعدة الصناعية الدفاعية الأمريكية، وفي ترتيب أولويات المشتريات العسكرية، مما يهدد قدرة واشنطن على خوض صراعات طويلة الأمد.
تحديات الصناعة الدفاعية في زمن الحروب
يرى خبراء عسكريون أن الأنظمة الصناعية الدفاعية المصممة لأوقات السلم تجد صعوبة بالغة في تلبية متطلبات الحروب الممتدة. ومع تغير طبيعة الحروب الحديثة لتشمل الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي، تظل الذخائر التقليدية عنصراً لا غنى عنه، إلا أن المخزونات الحالية أثبتت محدوديتها في مواجهة التوترات الإقليمية.
استنزاف المخزونات في المواجهات الأخيرة
أدت المواجهات العسكرية في مناطق مختلفة إلى استهلاك كميات كبيرة من الأسلحة الاستراتيجية؛ حيث أفادت تقارير بأن الولايات المتحدة استخدمت معظم مخزونها من الأسلحة الدقيقة بعيدة المدى خلال خمسة أشهر من المواجهات مع إيران. كما استُهلك أكثر من ثلثي مخزون صواريخ باتريوت الاعتراضية في الشرق الأوسط، مما أثر أيضاً على قدرة المدن الأوكرانية على مواجهة الهجمات الروسية نتيجة نقص الإمدادات.
تغير هيكلية الإنفاق العسكري
شهدت القاعدة الصناعية الدفاعية تحولات كبرى منذ نهاية الحرب الباردة، حيث انخفضت ميزانيات الدفاع وتراجعت أعداد شركات الدفاع الكبرى نتيجة عمليات الدمج. كما أن هيكلية الإنفاق الحالي تخصص أجزاءً كبيرة من الميزانية لرواتب الأفراد وتكاليف التشغيل وصيانة المنصات الباهظة مثل السفن والطائرات، على حساب زيادة احتياطيات الذخيرة. وقد أشار مسؤولون سابقون في وزارة الدفاع إلى أن الذخائر كانت تُستخدم أحياناً لتغطية العجز المالي في بنود أخرى.
أزمة التكلفة وتحديات الإنتاج المستقبلي
أفرزت الحرب في أوكرانيا واقعاً جديداً يتطلب مستويات عالية من إنتاج المدفعية والصواريخ الاعتراضية، وهو ما يصطدم ببطء عمليات توسيع المصانع والمخاوف التجارية من بناء قدرات إنتاجية ضخمة قد لا تستمر في حال توقف الطلب. كما يبرز تحدٍ اقتصادي يتمثل في استخدام صواريخ دفاعية تبلغ تكلفتها ملايين الدولارات لإسقاط طائرات مسيرة منخفضة التكلفة، مما يدفع نحو البحث عن أسلحة "قابلة للاستنزاف" وأقل تكلفة.
الخيارات الاستراتيجية والالتزامات الدولية
تضع هذه الأزمات صانع القرار الأمريكي أمام خيارات صعبة، حيث يتعين الموازنة بين الإنفاق على برامج كبرى مثل تحديث الترسانة النووية وأنظمة الدفاع الصاروخي، وبين تأمين مخزونات كافية لمواجهة تهديدات محتملة من قوى عظمى مثل الصين. ويؤكد المحللون أن معضلة الدفاع لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تتعلق بضرورة تحديد الأولويات الاستراتيجية والالتزامات الأمنية التي يمكن للولايات المتحدة الوفاء بها واقعياً.



